اللغة العربية وجنوب السودان من رمز للتهميش إلى أداة للتعبير

القلم الجنوبي الثقافي أصبح عربياً

اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي أيضًا وسيلة لخلق الهوية الثقافية وبناء العلاقات الاجتماعية. عندما ننظر إلى العلاقة بين السودان وجنوب السودان، نجد أن اللغة العربية لعبت دورًا محوريًا في تشكيل هذه العلاقة، لكنها أيضًا كانت أحد أبرز أسباب الخلاف بين الشمال والجنوب

رغم أن اللغة العربية كانت تُعتبر رمزًا للهيمنة في الجنوب قبل الانفصال، إلا أنها اليوم تشهد عودة مدهشة في الساحة الثقافية الجنوبية كوسيلة للتعبير والإبداع، مما يعكس تحولات اجتماعية وثقافية عميقة

اللغة العربية قبل الانفصال رمز للهيمنة

عندما كان السودان دولة واحدة، كانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية والمعتمدة في التعليم والإدارة. بالنسبة للشمال، كانت العربية لغة وحدة وهوية مشتركة، لكنها في الجنوب أصبحت رمزًا للتهميش الثقافي والاجتماعي

الجنوبيون شعروا أن فرض اللغة العربية جاء على حساب لغاتهم المحلية وثقافاتهم الأفريقية، مما أدى إلى شعور عميق بالظلم والتهميش. في نظرهم، كان تعريب الجنوب جزءًا من سياسة أكبر لطمس هويتهم وإخضاعهم لهيمنة الشمال

هذا الشعور كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الجنوبيين للمطالبة بالانفصال عن السودان، إذ رأوا في ذلك وسيلة لاستعادة هويتهم والتحرر من سياسات فرض اللغة والثقافة

الوضع بعد الانفصال حضور العربية في الثقافة الجنوبية

بعد استقلال جنوب السودان عام 2011، اعتمدت الحكومة اللغة الإنجليزية كلغة رسمية للتعليم والإدارة. كانت هذه الخطوة تعبيرًا واضحًا عن رغبة الجنوب في الابتعاد عن إرث الشمال والبحث عن هوية ثقافية مستقلة

لكن المثير للدهشة أن اللغة العربية لم تختفِ تمامًا من المشهد الجنوبي. على العكس، أصبحت تُستخدم في مجالات عدة

التواصل اليومي تُعتبر العربية إحدى اللغات الشائعة بين الجنوبيين، خاصة في المناطق التي تجمع قبائل متعددة تتحدث لغات مختلفة

 الإبداع الثقافي أصبح المثقفون الجنوبيون يستخدمون اللغة العربية في كتابة الشعر والروايات والمقالات

الإعلام تُستخدم العربية في وسائل الإعلام الجنوبية للوصول إلى أكبر عدد ممكن من السكان

هذا الاستخدام يعكس حقيقة أن اللغة العربية لم تعد تُرى كرمز للتهميش، بل أصبحت أداة للتعبير عن الذات ووسيلة لإيصال القضايا الجنوبية إلى العالم العربي

اللغة العربية من أداة قهر إلى وسيلة تحرر

يمكن النظر إلى عودة اللغة العربية في جنوب السودان من منظور نفسي واجتماعي. الجنوبيون، رغم معاناتهم السابقة مع سياسات التعريب، وجدوا في اللغة وسيلة جديدة للتعبير عن هويتهم وتجاربهم

هذه العودة تعكس أيضًا مرونة الثقافة الجنوبية وقدرتها على استيعاب الأدوات التي كانت تُستخدم ضدها سابقًا وتحويلها إلى أدوات للتعبير عن الذات

تحديات وفرص

رغم الحضور القوي للغة العربية في جنوب السودان، إلا أن هناك تحديات تواجهها

السياسة اللغة العربية ما زالت تُذكر الجنوبيين بماضٍ مليء بالصراعات، مما يجعل بعضهم يتجنب استخدامها

التعليم الاهتمام باللغة الإنجليزية كلغة رسمية قلل من فرص تعلم العربية في المدارس

لكن الفرص أيضًا كبيرة

يمكن للغة العربية أن تصبح جسرًا ثقافيًا بين الشمال والجنوب، مما يساعد على تعزيز التفاهم والتعاون بين الشعبين

استخدام المثقفين الجنوبيين للعربية يمكن أن يفتح أبوابًا للتواصل مع العالم العربي ويزيد من حضور الجنوب في الساحة الثقافية الدولية

رغم أن اللغة العربية كانت في الماضي رمزًا للهيمنة والتهميش في جنوب السودان، إلا أنها اليوم تعيش مرحلة جديدة من الحضور الثقافي والإبداعي

هذه العودة تعكس قدرة الجنوبيين على تجاوز الماضي وتحويل أدوات القهر إلى وسائل للتعبير عن الذات. في نهاية المطاف، اللغة العربية ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي رمز لتحولات عميقة في العلاقة بين الشمال والجنوب، وفرصة جديدة لتعزيز الروابط بين شعبين كانا يومًا ما جزءًا من دولة واحدة

مقولة الراحل د/جون قرنق دي مبيور

للغة العربية— وإن كنت لا اجيدها، ولا بد لي أن أتعلمها بسرعة — يجب أن تكون هي اللغة القومية في السودان الجديد، لذلك يجب أن نتعلمها جيدًا. نحن صريحون في كل شيء، ولا يمكن أن نقول إن العربية هي لغة العرب، لا، بل هي لغة السودان. الإنجليزية هي لغة الأمريكان ولكن تلك البلاد تُدعى أمريكا، وليست إنجلترا. والإسبانية هي لغة الارجنتين وبوليفيا وكوبا وهي بلاد تسمى بأسمائها وليست باسم دولة إسبانيا. ولذلك، فأنا آخذ اللغة العربية على أساس علمي واعتبرها لغة السودان ويجب أن أتعلمها. وفي المرة القادمة سأخاطبكم بها إذا أحسن أستاذي في اللغة العربية، دانيال كودي، تعليمي، وان كنتُ تلميذًا نجيبًا"

دكتور جون قرنق دي مبيور كوكادام، ٢٠ مارس ١٩٨٦ 

Reply

or to participate.